عندما يصبح التسوق متعة اجتماعية وثقافية.. أسواق فيينا للمستعمل تتحول إلى “مساحات ثالثة”


النمسا ميديـا – فيينا:
يشهد قطاع أسواق السلع المستعملة (الـ Flohmärkte) في العاصمة النمساوية فيينا طفرة وإقبالاً استثنائياً في الآونة الأخيرة، مدفوعاً برغبة المتسوقين في البحث عن القطع الفريدة والملابس الكلاسيكية (Vintage)، بالتزامن مع انطلاق فعاليات “سوق الليل” (Night Market) للمرة الثانية في منطقة Heiligenstadt. ووفقاً لبيانات مكتب الأسواق في فيينا (Marktamt Wien) وتحليلات خبراء معهد المستقبل (Zukunftsinstitut)، فإن هذه الأسواق لم تعد مجرد نقاط لتبادل السلع القديمة، بل تحولت إلى منصات اجتماعية وثقافية متكاملة تجمع بين الاستدامة، الفنون، والترفيه، متجاوزةً منافسة تطبيقات التسوق الرقمية.
مفاهيم جديدة: تسوق يدمج بين المتعة والمهرجانات
لم تعد الأسواق التقليدية تقتصر على عرض البضائع القديمة فحسب، بل باتت تعتمد صيغاً مبتكرة تجذب آلاف الزوار. ويبرز مشروع “Wild im West”، الذي تأسس عام 2020 خلال فترة الإغلاق الناجم عن جائحة كوفيد-19 كنموذج رائد في هذا السياق؛ إذ يستغل المساحات الشاغرة ومواقع البناء المؤقتة في المدينة لإنشاء أسواق متنقلة باستخدام حاويات الشحن وهياكل خشبية مغطاة بالنسيج. ومع انتقاله الأخير في ربيع 2026 إلى Heiligenstädter Lände 31، استحدث المشروع “سوق الليل” مساء كل سبت، ليقدم للجمهور تجربة تسوق فريدة تجمع بين الحرف اليدوية، المأكولات، والمشروبات، على وقع أنغام الموسيقى الإلكترونية التي يقدمها منسقو الأغاني (DJs)، محاكياً بذلك أجواء المهرجانات الشبابية.
حضور ثقافي وتاريخي في قلب الأسواق
يمتد هذا التوجه ليشمل دمج تجارة المستعمل بالأنشطة الثقافية والفنية الفيينية العريقة. وفي هذا الصدد، يستعد مسرح “Volkstheater” لتنظيم سوق كبير للأزياء المسرحية تحت اسم “Fundusfieber” يومي 30 و31 مايو الجاري في مركز التدريب بـ Tigergasse. وتتيح هذه الفعالية لهواة المسرح والزوار فرصة فريدة للاطلاع واقتناء نحو 10,000 قطعة ملابس وإكسسوار مستوحاة من 135 عاماً من تاريخ العمل المسرحي العريق. وبالمثل، يشهد سوق “Neubaugasse-Flaniermarkt” الشهير عروضاً موسيقية وراقصة ترافق معارض السلع، مما يعزز ثقافة الأحياء السكنية (Grätzlkultur) في فيينا.
تفوق التجربة الواقعية على المنصات الرقمية
على الرغم من الانتشار الواسع لتطبيقات البيع الرقمية مثل “Willhaben” و”Vinted” التي تتيح التداول على مدار الساعة، إلا أن الأسواق الواقعية حافظت على جاذبيتها. وأوضحت الخبيرة Christine Reiss من معهد المستقبل، أن الأسواق التناظرية باتت تعمل كـ “مساحات ثالثة” (Third Spaces) يقضي فيها الأفراد أوقاتاً ممتعة خارج المنزل ونطاق العمل. وأضافت Reiss أن المفهوم الحديث للمواطنين لم يعد يقتصر على الادخار المالي المجرد، بل أصبح يركز على قيمة الوقت المتبادل مع الأصدقاء والتفاعل الإنساني المباشر، بعيداً عن الإفراط الرقمي الشائع على وسائل التواصل الاجتماعي.
تلاحم الأجيال واستقطاب فئات الشباب
تتميز أسواق فيينا بتنوع عمري لافت؛ فبينما يحتفظ سوق “Naschmarkt” التقليدي بمتوسط أعمار مرتفع نسبياً بين البائعين نظراً لإدارتهم منصاتهم منذ عقود، تضخ المشاريع الحديثة مثل “Wild im West” دماءً شابة في هذا القطاع. وتؤكد الجهات المنظمة أن أغلب العارضين والزوار في الفعاليات الجديدة هم من فئة الشباب في منتصف العشرينيات – مثل البائعة Pauline Pfann – والذين يبحثون بشكل أساسي عن الأزياء المستدامة والقطع النادرة، مما يضمن استمرار هذا الزخم وتطوره في المستقبل.



